مجموعة مؤلفين

422

أهل البيت في مصر

غير أنّ الواضح من معنى الحديث : أنّ هذه الصيغة لا تفيد المنع من الرحلة إلى مساجد غير المذكورة ، بل تفيد التفضيل لثواب الصلاة في هذه المساجد على غيرها ، فقد كان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ومن بعده الصحابة الكرام يشدّون الرحال للصلاة في مسجد قباء بضواحي المدينة المنوّرة . ومن هنا فإنّ شدّ الرحال إلى بيوت اللَّه غير ممتنع ، ولكن ثوابها أقلّ من شدّها إلى هذه المساجد الثلاثة المذكورة في الحديث الشريف « 1 » كما أنّ التضييق على المسلمين في زيارة الأولياء في قبورهم وأضرحتهم بعد الصلاة للَّه‌في هذه المساجد الملحقة بها أضرحتهم يمنع خيراً عن المسلمين . ولقد بلغت المغالاة في النهي بالبعض إلى إبطال الصلاة إذا كانت نيّة المصلّي بعدها هي الزيارة ! فتلك دعوىً فيها تضييق ، وتعطّل بيوت اللَّه ، بينما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : « جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً » « 2 » وقال : « ألا وقد نهيتكم عن زيارة القبور ، ألا فزوروها » « 3 » .

--> ( 1 ) . وثمة ردّ آخر يورد على ما ذهب إليه البعض استدلالًا بهذا الحديث ، وهو أنّ تقدير المستثنى منه يكون في صورتين : الأولى : لاتشدّ إلى مسجد من المساجد إلّاثلاثة مساجد . . . ، والثانية : لاتشدّ إلى مكان من الأمكنة إلّاإلى ثلاثة مساجد . . . ، فإذا كان على التقدير الأول كان معنى الحديث : عدم شدّ الرحال إلى أيّ مسجد من المساجد سوى المساجد الثلاثة المذكورة ، ولو سلِّم فهو لا يعني عدم جواز شدّ الرحال إلى أيّ مكان آخر حتّى لو لم يكن مسجداً . فلا يشمل النهي من شدّ الرحال لزيارة الأنبياء والأئمة الطاهرين والأولياء الصالحين . . وأمّا على التقدير الثاني فلازمه النهي عن شد الرحال إلى كل بقاع العالم ما عدا المساجد الثلاثة المذكورة ، أي حرمة شدّ الرحال إلى كلّ مكان سوى المساجد الثلاثة ، وفيه ما فيه ، إذ المسلمون طالما شدّوا الرحال في موسم الحج للسفر إلى عرفات والمشعر ومنى . . . ، وشدّ الرحال لطلب العلم في بغداد أو بخارى أو جبل عامل أو . . . ، وهكذا لطلب الجهاد في سبيل اللَّه في الثغور وغيرها . انظر إحياء علوم الدين للغزالي 2 : 247 آداب السفر ، وكذلك الفتاوى الكبرى 2 : 24 . ( 2 ) . أخرجه الترمذي 2 : 131 ذيل حديث 317 ، والنسائي 2 : 56 ، وابن ماجة 1 : 187 حديث 567 ، والصدوق في الخصال : 201 بلفظ « فُضِّلت بأربع : جُعلت لي الأرض . . . » وفي الفقيه 1 : 155 حديث 724 « أُعطيت خمساً لم يعطها أحد قبلي : جعلت لي الأرض . . . » . ( 3 ) . نقلته كتب الحديث بأسانيد صحيحة وبألفاظ متقاربة عن ابن مسعود وأنس وابن عباس وزيد وأبي هريرة وبريدة وأم سلمة وعائشة . راجع سنن النسائي 4 : 89 ، مستدرك الحاكم 1 : 374 و 375 ، سنن ابن ماجة 1 : 476 ، مسند أحمد 1 : 441 ، سنن أبي داود 2 : 72 ، سنن البيهقي 4 : 76 .